رجل الأقدار كتاب يوثق مسيرة زعيم 4

بقلم لواء دكتور سمير فرج
متابعة / عادل شلبي
أستكمل حديثي في هذا المقال اليوم باستعراض باقي أجزاء كتاب «رجل الأقدار» الذي أصدرته الهيئة الوطنية للصحافة، والذي يوثق مسيرة الرئيس عبد الفتاح السيسي في أهم اللحظات الفارقة في تاريخ مصر، حيث كنت مسئولاً عن تناول مسيرته العسكرية منذ دخوله الحياة العسكرية بالمدرسة الثانوية العسكرية، وحتى وصوله إلى قصر الاتحادية رئيساً للجمهورية.
ونستكمل اليوم فترة مهمة في تاريخه العسكري، حينما جاءت المفاجأة التي شكلت نقطة تحول رئيسية في حياة الضابط عبد الفتاح السيسي، حيث صدر قرار بانتدابه إلى إدارة المخابرات الحربية، فرع المعلومات.
ولم يكن هذا القرار عادياً، بل كان نقلة كبيرة في مسيرته العسكرية، ولم يكن بمحض الصدفة، وإنما جاء بعد اختياره من بين عشرات الضباط من مختلف الأسلحة، حيث إن الانتداب إلى المخابرات الحربية يخضع لمعايير صارمة، أهمها الكفاءة، والقدرة على التحصيل، والمستوى العلمي، وإجادة اللغة الإنجليزية، والأمانة في عرض المعلومات وتحليلها.
وقد اجتاز المقدم أركان حرب عبد الفتاح السيسي جميع هذه الاختبارات بجدارة، مستفيداً من خبراته السابقة في كلية القادة والأركان بمصر، ثم كلية كامبرلي الملكية بإنجلترا، إلى جانب دراسته العسكرية في الولايات المتحدة، الأمر الذي جعله ملماً بالعقيدتين العسكريتين الشرقية والغربية، إلى جانب إتقانه اللغة الإنجليزية، ليصبح أحد الضباط العاملين في فرع المعلومات داخل إدارة المخابرات الحربية، وهي من أهم الوظائف داخل القوات المسلحة.
ولم يمر وقت طويل حتى برز تميزه في هذا الموقع، ليتم انتدابه إلى موقع أكثر أهمية، حيث عُين رئيساً لفرع المعلومات بالأمانة العامة لوزارة الدفاع. وهنا ظهرت محطة مضيئة في مسيرته العسكرية، لأنها كانت من أدق وأثقل المسئوليات التي يمكن أن يتولاها ضابط في هذه الرتبة، فقد كان مسئولاً عن إعداد الموقف المعلوماتي.
والعسكري اليومي على مستوى مصر والمنطقة، ورفع تقرير متكامل إلى وزير الدفاع ورئيس أركان حرب القوات المسلحة، حتى تكون القيادة العامة على دراية كاملة بما يجري في مصر والمنطقة والعالم.
أما اللواء أبوبكر الجندي، الذي كان يشغل آنذاك رئاسة فرع العلاقات الأمريكية بوزارة الدفاع، فقد قدم شهادة أخرى عن كفاءة المقدم أركان حرب عبد الفتاح السيسي، فقال إنه رغم كونه من أصغر ضباط الأمانة العامة لوزارة الدفاع سناً، فإنه كان من أكثرهم انضباطاً وتميزاً، وكان مسئولاً عن إطلاع كبار القادة على أحدث المعلومات الخاصة بالوضع العسكري والأمني، وأضاف أن خبرته السابقة في المخابرات الحربية جعلته من أبرز ضباط المعلومات داخل وزارة الدفاع.
وعندما أثبت جدارته في هذه المرحلة الحساسة، جاء دوره ليتولى موقعاً جديداً، حيث صدر القرار في يونيو 1998 بتعيينه قائداً للكتيبة 509 مشاة ميكانيكي التابعة للواء 120 مشاة ميكانيكي بالفرقة الثانية مشاة ميكانيكي، وتولى قيادتها رسمياً حتى ديسمبر 1998. وخلال هذه الفترة رُقي إلى رتبة العقيد، ليضيف إلى رصيده العسكري نجاحاً جديداً في قيادة إحدى الكتائب المقاتلة، وهي من أهم مراحل القيادة في حياة أي ضابط.
وتعد الكتيبة وحدة قتالية متكاملة تضم 24 ضابطاً وأكثر من ألف جندي، موزعين على سرايا المشاة، والهاون، والأسلحة المضادة للدبابات، والإشارة، والشئون الإدارية، بما يجعلها وحدة قادرة على تنفيذ مهام مستقلة أثناء العمليات العسكرية.
ولقد كانت خلفيته العسكرية، بداية من قائد فصيلة ثم قائد سرية، مروراً بدراساته في الخارج، وعمله مدرساً بمدرسة المشاة، ثم خدمته بإدارة المخابرات الحربية، وبعدها بالأمانة العامة لوزارة الدفاع، كلها عوامل جعلته يدخل قيادة الكتيبة بخبرة علمية وعملية كبيرة، انعكست على أدائه، ليحصل على تقدير «امتياز» من قائد اللواء.
ويقول اللواء أركان حرب عادل زكريا، الذي كان يتولى قيادة اللواء 120 مشاة ميكانيكي: «عندما علمت بحركة التنقلات، وعرفت أن العقيد عبد الفتاح السيسي سيكون أحد قادة كتائب اللواء، شعرت بالسعادة لانضمام ضابط تلقى أرقى الدراسات داخل مصر وخارجها، وخدم في مواقع متميزة مثل إدارة المخابرات الحربية والأمانة العامة لوزارة الدفاع، ولذلك كان إضافة حقيقية للواء بما يمتلكه من خبرات».
وأضاف: “في أول لقاء معه وجدت نفسي أمام ضابط خلوق، شديد الانضباط، متواضع، بعيد عن الغرور رغم كل ما حصل عليه من دراسات، واكتشفت مع مرور الأيام أنه يحظى بحب واحترام ضباطه وجنوده، فلم يكن يوماً بعيداً عنهم، بل كان يؤمهم في الصلاة بمسجد الكتيبة، ويشاركهم طابور اللياقة البدنية مرتدياً زي التدريب، ويجري معهم في تدريبات اختراق الضاحية لمسافات طويلة”.
ولم يمض وقت طويل حتى دخلت الكتيبة اختباراً جديداً أثناء تفتيش الحرب، وهو أعلى درجات تقييم الاستعداد القتالي في القوات المسلحة، واستمر الإعداد له ستة أشهر من التدريب المتواصل ليلاً ونهاراً، وانتهى بحصول اللواء بالكامل على تقدير «امتياز»، كما حصلت كتيبة العقيد أركان حرب عبد الفتاح السيسي على تقدير «امتياز»، وكان قائد الكتيبة الوحيد الذي نال هذا التقدير في تقريره السري السنوي.
وهكذا أثبت عبد الفتاح السيسي خلال فترة قيادته للكتيبة أنه لم يكن مجرد ضابط متميز في الدراسة والتخطيط، وإنما قائد ميداني ناجح لوحداته المقاتلة، وكانت تلك المرحلة من أهم محطات حياته العسكرية، التي أهلته لمرحلة جديدة عندما عُين ملحقاً عسكرياً في المملكة العربية السعودية، ليبدأ فصلاً جديداً في رحلته الطويلة في عالم القيادة.









